طبيبة نفسية وذكاء اصطناعي
ياسين، ما تمر به هو تجربة إنسانية مشتركة، حيث تتداخل الأفكار السلبية مع القدرة على التقدم، وتصبح آليات الدفاع مثل إنكار الواقع أو التجنب وسيلتك المؤقتة للتعامل مع الألم. لكن هذه الآليات، رغم أنها تحميك في البداية، قد تعيقك عن مواجهة جذور مشاكلك. من المهم أن تعرف أن الرهاب الخلاء (الخوف من الأماكن المفتوحة أو البقاء وحده) والقلق ليسا ضعفًا، بل إشارة من عقلك أن هناك أمرًا يحتاج إلى اهتمام. لنستكشف معًا كيف يمكن لعلم النفس أن يكون أداة لفهم نفسك والتحكم في هذه المشاعر، دون الاعتماد فقط على تمارين التنفس أو اليوجا التي هي جزء مهم ولكنها ليست الحل الوحيد.
أولًا، دعنا نتحدث عن علم نفس الأحلام، الذي يمكن أن يكون نافذة لفهم لا وعيك. الأحلام غالبًا ما تعكس مخاوفك غير المصرح بها أو رغباتك المكبوتة. حاول أن تدون أحلامك فور استيقاظك، حتى لو كانت قطعًا متفرقة. اسأل نفسك: ما هي المشاهد المتكررة؟ هل هناك شخصيات أو رموز تظهر باستمرار؟ على سبيل المثال، إذا كنت تحلم غالبًا بأنك عالق في مكان مغلق، قد يعكس ذلك شعورًا بالحبس في واقعك بسبب رهاب الخلاء. أما إذا كنت تهرب في أحلامك من شيء ما، فقد يكون ذلك انعكاسًا لسلوكك في اليقظة بالابتعاد عن مواجهة المشكلات. ليس الهدف تفسير الأحلام بشكل حرفي، بل ملاحظة الأنماط العاطفية التي تظهر فيها. إذا كان هناك حلم مزعج يتكرر، جرب أن تعيد كتابته بنهاية إيجابية قبل النوم؛ هذا قد يسهل على عقلك الباطن معالجته.
ثانيًا، هناك تقنية تسمى الاستبصار الذاتي من خلال الكتابة التلقائية، وهي أداة قوية لفهم الأفكار السلبية. خذ ورقة وقلمًا، واكتب دون توقف لمدة 10 دقائق عن مشاعرك تجاه موقف معين يثير قلقك. لا تقيد نفسك بالقواعد أو المنطق. بعد ذلك، اقرأ ما كتبته وحاول تحديد الأنماط اللفظية المتكررة (مثل "لا أستطيع" أو "أخشى أن..."). هذه الكلمات غالبًا ما تكشف عن المعتقدات الأساسية التي تقود سلوكك. على سبيل المثال، إذا وجدت نفسك تكرر "أنا غير قادر على التعامل مع هذا وحده"، فقد يكون ذلك مرتبطًا برهاب الخلاء وخوفك من العزلة. بعد تحديد هذه المعتقدات، حاول تحديها بأدلة واقعية: "متى نجحت في التعامل مع شيء مشابه من قبل؟" أو "ما هي الموارد التي أملكها الآن ولم أكن أملكها حين فشلتي في الماضي؟".
ثالثًا، يمكن أن تكون تقنية التعرض التدريجي مفيدة جدًا لرهاب الخلاء، ولكن يجب ممارستها بحذر وبخطوات صغيرة. ابدأ بتحديد مواقف تسبب لك قلقًا، مثل الخروج إلى شرفة المنزل وحده، ثم رتبها من الأقل إلى الأكثر إرهاقًا. ابدأ بالموقف الأقل قلقًا، وابقَ فيه حتى ينخفض قلقك إلى النصف قبل الانتقال إلى الخطوة التالية. لا تدفع نفسك بقوة؛ الهدف ليس التغلب على الخوف دفعة واحدة، بل إعادة تدريب عقلك على تحمل هذه المواقف دون رد فعل مفرط. أثناء ذلك، استخدم التأكيدات الإيجابية الواقعية، مثل "أنا آمن الآن، وهذا القلق سيزول تدريجيًا" بدلاً من "لا يجب أن أخاف". الفارق أن الأولى تعترف بمشاعرك دون حكم، بينما الثانية قد تزيد من ضغطك内يًا.
رابعًا، هناك مفهوم مهم في علم النفس يسمى القبول والالتزام (ACT)، والذي يمكن أن يساعدك في التعامل مع الأفكار السلبية دون أن تحكم عليها أو تكافحها. بدلاً من محاولة قمع أفكار مثل "أنا فاشل" أو "لن أتعافى أبدًا"، جرب أن تلاحظها كما لو كانت غيومًا عابرة في السماء. قل لنفسك: "أنا ألاحظ أنني أفكر في أنني فاشل" بدلاً من "أنا فاشل". هذا الفصل بينك وبين أفكارك يقلل من تأثيرها عليك. بعد ذلك، اسأل نفسك: ما هو الشيء المهم الذي أريد القيام به على الرغم من هذه الأفكار؟ على سبيل المثال، إذا كان هدفك هو الخروج من المنزل رغم رهاب الخلاء، فركز على القيم الكامنة وراء هذا الهدف (مثل الاستقلال أو التواصل الاجتماعي) بدلاً من الفردية. هذا النهج يساعدك على العيش حسب قيمك حتى لو كانت المشاعر السلبية موجودة.
خامسًا، لا تنسَ دور العلاقات الداعمة في هذه العملية. رهاب الخلاء قد يجعلك تشعر بالعزلة، ولكن التواصل مع شخص تثق به-حتى لو كان عبر الهاتف أو الرسائل-يمكن أن يخفف من الشعور بالوحدة. شارك مع هذا الشخص ما تعلمته عن نفسك من خلال الأحلام أو الكتابة، واطلب منه أن يستمع دون تقديم حلول فورية. أحيانا، مجرد سماع صوتك وأنت تعبر عن مخاوفك يمكن أن يقلل من شدتها. إذا كان من الصعب العثور على شخص قريب، ففكر في مجموعات الدعم عبر الإنترنت لمَن يعانون من رهاب مشابه. معرفة أن هناك آخرين يمرون بتجارب مماثلة يمكن أن يعطيك شعورًا بالارتباط ويقلل من الشعور بالعجز.
أخيرًا، تذكر أن التقدم ليس خطيًا. قد تكون هناك أيام تشعر فيها بأنك تراجعت، وهذا طبيعي. ما يهم هو أن تستمر في المحاولة دون أن تحكم على نفسك. إذا وجدت أن هذه التقنيات صعبة التطبيق وحدك، أو أن رهاب الخلاء يؤثر بشدة على حياتك اليومية، فقد يكون من المفيد الاستشارة مع متخصص في العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، خاصة أنه أثبت فعاليته في علاج اضطرابات القلق. لكن حتى لو اخترت عدم اللجوء إلى العلاج الآن، فإن مجرد وعيك بهذه الأدوات ونيتك في استخدامها هو خطوة كبيرة نحو التحسن.
في نهاية المطاف، فهم النفس ليس هدفًا نهائيًا بل رحلة مستمرة. كل مرة تواجه فيها فكرًا سلبيًا أو خوفًا، أنت تكتسب فرصة لمعرفة المزيد عن نفسك. كن لطيفًا مع نفسك، كما كنت ستكون مع صديق يمر بنفس التحديات.