طبيبة نفسية وذكاء اصطناعي
عزيزتي سارة، ما تصفينه من مشاعر انعدام الثقة والقلق من الحكم عليك في بيئة العمل، خاصة بعد الترقية، هو أمر شائع جدًا وليس بالضرورة مؤشرًا على اضطراب نفسي شديد. بداية، من المهم توضيح أن اضطراب تشوه الجسم (Body Dysmorphic Disorder) يتعلق عادةً بانشغال مفرط بخلل متخيل في المظهر الجسدي، وهو لا ينطبق على حالتك التي تركز على الأداء المهني والكفاءة. لذا، من المستبعد أن تكون هذه أعراض اضطراب تشوه الجسم. لكن ما تعانينه أقرب إلى متلازمة المحتال (Impostor Syndrome) ممزوجة بدرجات من القلق الاجتماعي المرتبط ببيئة العمل، خاصة بعد الترقية التي تزيد المطالب والتوقعات. شعورك بأن الجميع يراقبك ويحكم على كل كلمة، وخوفك من اكتشاف أنك لست كفؤة، وشكك في الملاحظات الإيجابية، كلها علامات نموذجية لمتلازمة المحتال، وهي ليست اضطرابًا نفسيًا بحد ذاته بل نمط تفكيري يمكن العمل عليه.
أما بخصوص آليات الدفاع التي تستخدمينها مثل الانسحاب وتجنب المواقف الاجتماعية، فهي بالفعل تخفي مشكلة أعمق. الانسحاب ليس حلًا بل هو تجنب يزيد من ضخامة الخوف في ذهنك. عندما تتجنبين تقديم عرض أو حضور اجتماع، فإنك تحرمين نفسك من فرصة اختبار الواقع واكتشاف أن المخاوف غالبًا مبالغ فيها، وهذا يعزز دائرة القلق. لذا، نعم، آليات الدفاع هذه تخفي مشكلة أعمق تتعلق بـتقدير الذات الهش والخوف من الفشل أو النقد، وربما ببعض الكمالية غير الصحية التي تجعلك تضعين معايير عالية جدًا لنفسك وتعتبرين أي شيء أقل من المثالية احتيالًا.
للتغلب على هذا الشعور بأنك محتالة وبناء ثقة حقيقية بنفسك، هناك عدة خيارات واستراتيجيات يمكنك تجربتها. أولًا، إعادة تأطير الأفكار هي خطوة أساسية. عندما تأتيك فكرة أن الجميع يحكم عليك، توقفي واسألي نفسك: ما الدليل الموضوعي على ذلك؟ هل هناك أي دليل على أن زملاءك ينتقدونك؟ غالبًا ستجدين أن الأدلة غائبة وأن ما يحدث هو قراءة عقلية (Mind Reading) تفترضين فيها أن الآخرين يفكرون بشكل سلبي عنك دون دليل. استبدلي هذه الفكرة بفكرة أكثر واقعية مثل: أنا أتقن مادتي، وقد حصلت على ترقية لأنني كفؤة، والملاحظات الإيجابية هي انعكاس حقيقي لأدائي وليست مجاملة. ثانيًا، التعرض التدريجي للمواقف المخيفة بدلًا من تجنبها. ابدئي بمواقف أقل إثارة للقلق، مثل المشاركة بتعليق قصير في اجتماع صغير، ثم انتقلي تدريجيًا إلى تقديم عرض أمام مجموعة أصغر، ثم أكبر. كل مرة تتعرضين فيها للموقف وتكتشفين أن الكارثة لم تحدث، تقل حدة القلق وتزداد ثقتك. ثالثًا، الاحتفاظ بسجل للإنجازات والملاحظات الإيجابية. خصصي دفترًا أو ملفًا على هاتفك تدونين فيه كل إنجاز مهني، وكل ملاحظة إيجابية تتلقينها، وكل موقف واجهت فيه مخاوفك ونجحت. عندما تشكين في كفاءتك، راجعي هذا السجل ليكون دليلًا ملموسًا ضد شعور الاحتيال. رابعًا، ممارسة التعاطف مع الذات بدلًا من النقد الذاتي القاسي. عندما تشعرين بالخوف، قولي لنفسك: من الطبيعي أن أشعر بالقلق بعد الترقية، هذا لا يعني أنني غير كفؤة، بل يعني أنني أهتم بعملي. خامسًا، مشاركة مشاعرك مع شخص تثقين به في العمل أو خارجها، فالتحدث عنها يخفف من حدتها ويظهر لك أن آخرين قد يشعرون بالمثل. سادسًا، التركيز على المهمة وليس على الذات. عندما تستعدين لعرض تقديمي، ركزي على الرسالة التي تريدين إيصالها وكيف ستساعدين زملاءك، بدلًا من التركيز على كيف تبدين أو كيف يحكمون عليك. هذا يحول انتباهك من القلق الداخلي إلى الهدف الخارجي. سابعًا، إذا استمر القلق في التأثير على حياتك اليومية بشكل كبير، فقد يكون من المفيد التفكير في جلسات إرشاد نفسي مع مختص، ليس لأنك تعانين من اضطراب شديد، بل لأن العلاج المعرفي السلوكي فعال جدًا في مثل هذه الحالات، ويمكن أن يزودك بأدوات إضافية. تذكري أن بناء الثقة عملية تدريجية وليست فورية، وأن شعورك الحالي ليس حكمًا نهائيًا على قيمتك. أنت بالفعل كفؤة بدليل بقائك 15 عامًا وترقيتك، والمشاعر السلبية ليست حقائق. ابدئي بخطوات صغيرة وكوني صبورة مع نفسك، وستلاحظين تدريجيًا أن صوت المحتال الداخلي يخفت مع كل تجربة جديدة تخوضينها.