طبيبة نفسية وذكاء اصطناعي
عزيزتي فيروز، ما تصفينه ليس مجرد ركود عابر أو ملل طبيعي بعد ربع قرن من العمل، بل هو إشارة واضحة إلى أن جزءًا أساسيًا منكِ يشعر بالاستنزاف العميق، وأن الحل لا يكمن في الاستمرار في تحمل الوضع كما هو. عندما يتكرر تجاهل ترقيتك رغم تفوقك، فهذا لا يمر مرور الكرام على النفس، بل يترك جرحًا في تقديرك لذاتك وفي إحساسك بالعدالة. السؤال الذي يطرح نفسه الآن ليس هل أنتِ بحاجة إلى تغيير مسارك المهني، بل كيف تعرفين الفرق بين الحاجة الحقيقية للتغيير وبين الهروب المؤقت من الضغط. الحاجة الحقيقية للتغيير تأتي من رغبة داخلية في النمو، في التعلم، في استعادة الشغف، في الشعور بأن ما تفعلينه له معنى وقيمة. أما الهروب المؤقت فيأتي من رغبة في إسكات الألم، في نسيان الإحباط، في ملء فراغ عاطفي. أنتِ تصفين أعراضًا مثل الأكل بشراهة ليلاً، والأرق، والكوابيس عن الفشل المهني، والبكاء بعد اجتماعات روتينية، والعصبية مع زوجك. هذه ليست علامات على مجرد هروب، بل هي علامات على أن جسدك ونفسك يحاولان لفت انتباهك إلى أن الوضع الحالي لم يعد محتملاً. إدمان الطعام هنا ليس سببًا مستقلاً، بل هو عرض من أعراض الضغط النفسي المزمن. الدماغ عندما يقع تحت ضغط مستمر يبحث عن مكافآت سريعة، والسكر والكربوهيدرات تمنح دفعة مؤقتة من الدوبامين، وهذا ما يجعلك تلجئين إلى الحلويات في الليالي التي يعصف فيها الأرق والقلق. لكن هذه الدفعة قصيرة جدًا، وتترك بعدها شعورًا بالذنب أو الخواء، مما يزيد الحلقة سوءًا. الأرق بدوره يغذي هذه الحلقة، لأنه يضعف قدرتك على التنظيم الانفعالي، ويجعلك أكثر عرضة للغضب والانفعال. مشهد البكاء بعد اجتماع عمل روتيني ليس ضعفًا، بل هو تنفيس لا واعٍ عن إحباط متراكم لم تجدي له منفذًا آخر. الكوابيس عن الفشل المهني تعكس خوفًا دفينًا من أن تكوني قد خذلت نفسك، أو أن الوقت قد فات لتغيير أي شيء. لكن اسمحي لي أن أقول لكِ إن سن الثانية والخمسين ليس نهاية الطريق، بل هو منتصفه أو ربعه الأخير، وما زال أمامك متسع للتحول. السؤال الأهم: هل التغيير الذي تحتاجينه هو تغيير في المسار المهني نفسه، أم في علاقتك مع عملك، أم في طريقة تعاملك مع الضغط؟ ربما لا تحتاجين إلى ترك المحاسبة نهائيًا، بل إلى إعادة تعريف دورك فيها، أو تقليل ساعات العمل، أو البحث عن تخصص فرعي أكثر إشباعًا. وربما تحتاجين إلى استكشاف مهارات أخرى كنت قد أهملتها. لكن قبل أي قرار كبير، من المهم أن تعالجي الحالة النفسية الحالية، لأن أي قرار ستتخذينه وأنتِ في قمة الإرهاق قد يكون قرار هروب وليس قرار نمو. إدمان الطعام الذي تصفينه يمكن أن يكون له جذور عميقة في طفولتك أو في طريقتك في التعامل مع المشاعر الصعبة، وليس مجرد عادة سيئة. لذلك أنصحك بشدة أن تبحثي عن مختص نفسي للبالغين، ليس لأنك مريضة، بل لأنك تستحقين مساحة آمنة لتفريغ كل هذا الضغط، ولتفهمي العلاقة بين الأكل والأرق والغضب والكوابيس. العلاج النفسي هنا لن يغيرك، بل سيساعدك على رؤية نفسك بوضوح. وفي الوقت نفسه، يمكنك البدء بتغييرات صغيرة في روتينك الليلي، مثل تقليل الكافيين بعد الظهر، وتخصيص وقت للاسترخاء قبل النوم، وتدوين مشاعرك بعد الاجتماعات الصعبة بدلاً من كبتها. زوجك الذي يصفك بالعصبية هو أيضًا بحاجة إلى فهم أن ما يمر به ليس ضدك، بل هو انعكاس لمعاناتك الداخلية، ويمكنكما معًا تعلم مهارات تواصل أكثر تعاطفًا. أما بالنسبة لسؤالك عن التمييز بين الحاجة للتغيير والهروب، فإليك معيارًا بسيطًا: الحاجة الحقيقية تجعلك تشعرين بالحماس رغم الخوف، أما الهروب فيجعلك تشعرين بالخوف فقط. عندما تفكرين في تغيير مسارك، هل تشعرين بشيء من الأمل والفضول؟ أم أن كل ما تشعرين به هو رغبة في الفرار من الألم فقط؟ إذا كان الأمر الثاني، فالأفضل أن تعالجي الألم أولاً، ثم تعيدي طرح السؤال. تذكري أن الاعتراف بأنك فقدت الشغف ليس فشلاً، بل هو أول خطوة نحو استعادته. أنتِ لستِ ضعيفة لأنك تبكين، وليست فاشلة لأنك لم تحصلي على الترقية، ولستِ مدمنة أكل لأنك تهربين من وجعك. أنتِ إنسانة مرهقة تحتاج إلى رعاية، وهذا ليس عيبًا. ابدئي بنفسك أولاً، وستجدين الطريق إلى ما تريدينه حقًا.