طبيبة نفسية وذكاء اصطناعي
ليلى، شكرًا لثقتك بمشاركة ما تمرين به. ما تصفينه ليس مجرد صراع يومي، بل تجربة معقدة تجمع بين ضغط المسؤوليات المتعددة، والشعور بالركود، ومحاولات التكيّف التي قد تتحول إلى عادات غير صحية. دعينا نستكشف معًا كيفية التعامل مع هذه التحديات بخطوات واقعية ومتدرجة، مع الحفاظ على توازنك العاطفي والاستقرار المالي.
أولًا، من المهم الاعتراف بأن ما تشعرين به هو طبيعي جدًا في مرحلة الحياة هذه. الكثير من النساء العاملات والأمهات يمررن بهذا التضارب بين الرغبات الشخصية والالتزامات العائلية. الشعور بالركود في العمل ليس دليلًا على فشل، بل قد يكون إشارة إلى أن احتياجاتك التطويرية لم تعد تُلبَّى في بيئة العمل الحالية. في نفس الوقت، المسؤولية المالية تجاه الأسرة هي أولوية مشروعة، لكن ليس بالضرورة أن تعني التضحية الدائمة بتطورك الشخصي. الميزان هنا ليس بين "النمو المهني" و"الأسرة"، بل بين "النمو المهني بطريقة مستدامة" و"الرعاية الذاتية التي تخدم الأسرة على المدى الطويل".
بالنسبة للجانب المهني، هناك عدة مسارات يمكن استكشافها دون المخاطرة بالاستقرار المالي فورًا. إذا كان العمل الحالي يفتقر للإبداع، يمكنك البدء ب استثمار ساعات محدودة أسبوعيًا في مشاريع جانبية تتناسب مع مهاراتك، مثل التصميم الحر لأعمال صغيرة أو مساهمة في منصات إبداعية. هذا قد يفتح أبوابًا جديدة دون الحاجة لاستقالة فورية. كما يمكنك البحث عن دورات تدريبية قصيرة أو شهادات في مجالك (مثل تصميم تجربة المستخدم أو الرسوم المتحركة) لتعزيز سيرتك الذاتية. بعض الشركات تدعم موظفيها في مثل هذه الخطوات، لذا قد يكون من المفيد مناقشة ذلك مع مديرك إذا كانت هناك إمكانية للحصول على تمويل جزئي أو مرونة في الجدول.
إذا كان الخوف من التغيير هو العائق الرئيسي، حاولي تقسيم الخطوة إلى مراحل أصغر. على سبيل المثال، ابدئي ب تجربة عمل حر لمشروع واحد في الشهر، أو خصصي ساعة واحدة في الأسبوع للبحث عن فرص جديدة دون ضغط. هذا سيقلل من شعور "القفزة الكبيرة" ويجعلك أكثر ثقة في قراراتك. كما أن التخطيط المالي المبكر هو مفتاح التحول دون مخاطر. جربي حساب المدخرات اللازمة لتغطية 3-6 أشهر من النفقات الأساسية قبل أي تغيير جذري، أو بحثي عن خيارات عمل مرنة (مثل العمل عن بعد أو الدوام الجزئي) التي قد توفر وقتًا أكثر للأسرة.
أما بالنسبة للتسوق المفرط كآلية للتعامل مع التوتر، فهو سلوك تعويضي شائع عندما يشعر الشخص بفقدان السيطرة في مناطق أخرى من حياته. بدلاً من محاربة هذه العادة مباشرة (ما قد يزيد من الشعور بالذنب)، حاولي استبدالها ب أنشطة بديلة تجلب نفس الشعور بالارتياح ولكن بطريقة بناءة. على سبيل المثال، يمكن أن يكون رسم مخططات تصميم جديدة دون ضغط، أو كتابة يوميات عن أفكار إبداعية، أو حتى ممارسة رياضة بسيطة في المنزل (مثل اليوغا) بديلًا فعّالًا. الهدف ليس منع التسوق تمامًا، بل كسر الارتباط التلقائي بين التوتر والشراء. كما أن تحديد "قاعدة الانتظار"-مثل الانتظار 24 ساعة قبل شراء أي شيء غير ضروري-يمكن أن يقلل من النوبات الاندفاعية.
من المهم أيضًا إعادة تعريف مفهوم "الرعاية الذاتية". كثير من الأمهات العاملات يظنون أن رعاية الذات تعني إنفاق الوقت أو المال على أنفسهن، بينما يمكن أن تكون ببساطة إعادة ترتيب الأولويات لتضمني لحظات من "الفراغ الإبداعي"-مثل المشي وحدها لمدة 15 دقيقة، أو الاستماع إلى بودكاست ملهم أثناء تنظيف المنزل. هذه اللحظات الصغيرة تراكم طاقة إيجابية وتساعد في كسر دائرة الإرهاق. كما أن المشاركة العاطفية مع الزوج يمكن أن تخفف من الضغوط. حاولي تخصيص وقت أسبوعي قصير لمناقشة توزيع المسؤوليات المنزلية أو الدعم المتبادل، حتى لو كان ذلك يعني تقسيم مهام محددة (مثل إعداد وجبات العطلة نهاية الأسبوع) لتخففي عن نفسك بعض الضغوط.
أخيرًا، تذكري أن التغيير لا يجب أن يكون جذريًا أو فوريًا ليكون مؤثرًا. الصغير والمتسق غالبًا ما يكون أكثر استدامة من الكبير والعاجل. إذا شعرتي بأن الضغوط النفسية تتجاوز قدرتك على التعامل معها، ف الاستشارة مع متخصص في الصحة النفسية يمكن أن تقدم أدوات مخصصة لإدارة التوتر وتعزيز الثقة بالنفس. هذا ليس علامة ضعف، بل استثمار في قدرتك على مواصلة العطاء للأسرة ولنفسك.
في النهاية، أنت لست مضطرة للاختيار بين أن تكون أمًا مثالية أو محترفة ناجحة-يمكنك أن تكوني كلا الأمرين، ولكن بطريقة تناسبك أنت. السر هو قبول أن التوازن ليس حالة ثابتة، بل عملية مستمرة من التكيّف والتعديل.