طبيبة نفسية وذكاء اصطناعي
ما تشعرين به، نورة، ليس ضعفًا أو عيبًا في شخصيتك، بل قد يكون إشارة مهمة من عقلك وجسمك بأن هناك شيئًا يحتاج إلى اهتمام. ما تصفينه ليس مجرد "إرهاق عابر"، بل يبدو أقرب إلى ما يُعرف بـ"اللامبالاة العاطفية" (emotional numbness) أو "الفراغ الوجودي" (existential emptiness)، وهما من الأعراض الشائعة للاكتئاب – حتى لو لم يكن هناك سبب واضح أو "مبرر" لهذا الشعور في ظاهره. ليس بالضرورة أن يكون الاكتئاب مرتبطًا بأحداث سلبية صادمة؛ فقد يظهر أيضًا ك"اكتئاب وجودي"، حيث يفقد الشخص الاتصال بالمعنى أو الغاية حتى في حياة تبدو "مثالية" من الخارج.
الشعور بالذنب لأنك لا "تستحقين" هذا الإحساس هو جزء من المشكلة نفسه. العديد من الأشخاص الذين يعانون من هذا النوع من الفراغ يشعرون بأنهم "مخادعون" لأن حياتهم تبدو جيدة على الورق، وهذا يزيد من عزلتهم. لكن الحقيقة أن المعاني والسعادة ليست معادلات رياضية – لا يمكن قياسها بمستوى النجاح أو الاستقرار المادي. قد تكونين قد حققتي كل ما خططتي له، ولكن الدماغ البشري لا يعمل بشكل خطي؛ فقد وصلتِ إلى مرحلة تحتاجين فيها إلى إعادة تعريف "المعنى" لنفسك، خارج الإطارات القديمة.
أما عن التساؤل عما إذا كان هذا اكتئابًا أم إرهاقًا، فالإجابة قد تكون: كلا الأمرين. الإرهاق المزمن – خاصة في مهن تتطلب إبداعًا وضغطًا عاليًا مثل الهندسة المعمارية – يمكن أن يستنزف الموارد العاطفية، مما يؤدي إلى حالة تشبه الاكتئاب تُسمى "الانهاك العاطفي" (emotional exhaustion). لكن عندما يمتد هذا الشعور لسنوات (كما ذكرتي)، ويتضمن فقدان المتعة في الأنشطة التي كنتِ تحبينها سابقًا (ما يُسمى "فقدان المتعة" أو anhedonia)، فإن احتمالية أن يكون اكتئابًا سريريًا تصبح قوية. الاكتئاب ليس دائمًا حزنًا عميقًا؛ بل قد يكون فراغًا، لامبالاة، أو شعور بأن الحياة "مسطحة" دون أي ذبذبات.
ما الذي يمكن أن تفعليه الآن؟ أولًا، توقفي عن مقارنة شعورك بما "يجب" أن تشعرين به. الشعور بالفراغ في حياة مستقرة ليس نكرانًا للامتنان، بل قد يكون دعوة لإعادة الاتصال بذاتك خارج الأدوار التي لعبتها لسنوات (المهندسة الناجحة، الزوجة المسؤولة، المرأة المنظمة). قد تكونين بحاجة إلى "إعادة بناء الهوية" – أي استكشاف من أنتِ خارج هذه الأدوار. هذا لا يعني ترك كل شيء، بل السماح لنفسك بالتشكك في ما كانت عليه أولوياتك سابقًا.
ثانيًا، لا تنتظري حتى "تزداد الأمور سوءًا" لطلب المساعدة. ما تصفينه من تأخير في العمل ونسيان المواعيد هو إشارة تحذيرية – ليس فقط لعقلك، بل لجسمك أيضًا. الإجهاد المزمن يمكن أن يؤثر على الذاكرة والتركيز، وهذا ليس "تقصيرًا" من جانبك. قد تكون العلاج النفسي (خصوصًا العلاج المعرفي السلوكي أو العلاج الموجودي) مفيدًا جدًا هنا. العلاج الموجودي، على سبيل المثال، يتعامل مباشرة مع أسئلة مثل "ما المعنى؟"، وهو ما يبدو أنه يشغلك الآن. أما العلاج المعرفي السلوكي، فيمكن أن يساعدك على فك ارتباط الأفكار السلبية عن الذات (مثل "هناك شيء خاطئ بي") وتعلم طرق جديدة للتعامل مع اللامبالاة.
ثالثًا، جربي "التجارب الصغيرة" بدلاً من البحث عن حلول جذرية. عندما تفقدين الاتصال بالمتعة، قد يبدو كل شيء بلا طعم – حتى الهوايات التي كنتِ تحبينها. لكن حاولي إعادة إدخال "اللعبة" أو "الاستكشاف" في حياتك دون ضغط. على سبيل المثال، بدلاً من رسم لوحة كاملة (ما قد يبدو مثل "واجب"), جربي رسم خط واحد فقط على ورقة، أو قراءة صفحة واحدة من رواية. الهدف ليس الإنجاز، بل إعادة تدريب دماغك على الاستجابة للتجارب الحسية البسيطة. قد يبدو هذا تافهًا، لكن الاكتئاب واللامبالاة غالبًا ما يعالجان بالتدريج، وليس بالقفزة الكبيرة.
رابعًا، انتبهي لجسمك. الاكتئاب والفراغ العاطفي غالبًا ما يصاحبهما إشارات جسدية – مثل التعب المزمن، آلام غير مبررة، أو اضطرابات النوم. إذا كانت هذه الأعراض موجودة، فقد يكون استشارة طبيب عام (لاستبعاد أسباب طبية مثل نقص فيتامين D أو خلل في الغدة الدرقية) أو طبيب نفسي (إذا لزم الأمر لوصف أدوية مؤقتة) خطوة مهمّة. ليس هناك عار في استخدام الدواء إذا كان هناك خلل كيميائي في الدماغ – تمامًا كما تأخذين دواءً لارتفاع ضغط الدم دون أن يعني ذلك أنك "فاشلة".
أخيرًا، تذكري أن هذا الشعور ليس جزءً ثابتًا من شخصيتك. قد يبدو الآن وكأن هذا الفراغ سيسمر معك إلى الأبد، ولكن الدماغ قادر على التغيير (المرونة العصبية)، والمشاعر مؤقتة حتى لو بدت دائمة. ما تمرين به هو مرحلة – قد تكون انتقالًا إلى فهم أعمق لذاتك، أو إشارة إلى أنك بحاجة إلى راحة عميقة. لا يجب أن تكوني "ممتنة" بشكل دائم، ولا يجب أن تشعري بالسعادة طوال الوقت. السماح لنفسك بالشعور بهذا الفراغ دون حكم قد يكون أول خطوة نحو الخروج منه.