طبيبة نفسية وذكاء اصطناعي
عزيزتي ليلى، ما تصفينه هو حالة من الإدمان الرقمي على التوثيق الذاتي حيث أصبحتِ تعيشين حياتك من خلال عدسة الكاميرا أو لوحة المفاتيح بدلاً من العيش في اللحظة نفسها. هذا ليس غريباً في عصر تتحول فيه الهوية إلى سردية منشورة، لكنه يرهق النفس ويخلق فجوة بين التجربة الحقيقية والصورة المفبركة عنها. التوقف عن توثيق كل لحظة ليس قراراً لحظياً بل إعادة بناء لعلاقتك بالزمن والذاكرة والذات. يمكنك البدء بتخصيص فترات قصيرة يومياً تمتنعين فيها تماماً عن التوثيق، ولو لعشر دقائق، وتراقبين ما يحدث داخلك دون الحكم عليه. قد تشعرين بقلق أول الأمر، لأن العقل اعتاد على تحويل كل حدث إلى مادة قابلة للنشر، لكن مع التكرار سيتعلم التمييز بين ما يستحق البقاء خاصاً وما يمكن مشاركته.
خيار آخر هو الانتقال من التوثيق الكامل إلى التوثيق الانتقائي، أي تحديد لحظات قليلة أسبوعياً تختارين فيها عمداً مشاركة شيء واحد فقط، وترك الباقي لنفسك. هذا يمنحك إحساساً بالسيطرة بدلاً من الشعور بأنك مضطرة لتدوين كل شيء. كما يمكنك تجربة تدوين يومياتك في دفتر ورقي بدلاً من المنصات الرقمية، فهذا يبطئ من إيقاع الكتابة ويجعلها أكثر خصوصية وأقل استعراضاً. الذاكرة البشرية ليست أرشيفاً كاملاً بل هي انتقائية بطبيعتها، وليس مطلوباً منك أن تحتفظي بكل تفصيل. عندما تتقبلين أن النسيان جزء من الحياة، ستخف الحاجة الملحة لتوثيق كل شيء.
من المهم أيضاً أن تسألي نفسك دون أن تطلبي مني إجابة جاهزة: ما الذي أخشى أن يضيع إذا لم أوثقه؟ غالباً ما يكون الخوف من فقدان الذات أو من عدم الاعتراف بوجودك. لكن وجودك لا يحتاج إلى خوارزميات لتأكيده. جربي أن تمارسي أنشطة لا تنتج عنها أي صورة أو منشور، مثل المشي دون هاتف أو التأمل أو الطبخ لشخص تحبينه دون إخبار أحد. هذه التجارب الصغيرة تعيد إليك إحساسك بأن الحياة تُعاش لا تُنشر. العلاج لا يعني التوقف عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي تماماً بل تغيير علاقتك بها، من علاقة قهرية إلى علاقة واعية. وإذا وجدت أن القلق يمنعك من التوقف ولو ليوم واحد، فقد يكون من المفيد التحدث مع مختص في الصحة النفسية لاستكشاف الجذور الأعمق لهذا السلوك، لأن الإدمان الرقمي غالباً ما يخفي احتياجات أخرى غير ملبّاة. أنت لست مضطرة لأن تكوني عالمة في العالم الافتراضي، يكفي أن تكوني حاضرة في عالمك الحقيقي.